عندما بدأت مشروعي كان عمري 26 عامًا، وكنت متفرغة له بالكامل. كنت مسؤولة عن المبيعات، وأتابع الحسابات، وأعد التقارير اليومية، وأراقب سير العمل لحظة بلحظة. في تلك المرحلة كنت أعيش المشروع بكل تفاصيله، وأشعر أن نجاحه يعتمد على وجودي في كل صغيرة وكبيرة.
خلال السنوات التالية تعاملت مع آلاف العميلات، من طالبات المرحلة الثانوية إلى السيدات الأكبر سنًا، وعملت مع عشرات الموظفين من جنسيات وخلفيات مختلفة. وكل موقف مررت به، سواء كان ناجحًا أو صعبًا، علمني درسًا لم أكن لأتعلمه في أي دورة تدريبية.
واليوم، عندما أنظر إلى تلك المرحلة، أبتسم أحيانًا على بعض قراراتي، وأشكرها في الوقت نفسه، لأنها كانت السبب في تكويني كقائدة.
الدرس الأول: ليس كل مشكلة يجب أن أحلها بنفسي
في بداية المشروع، إذا رأيت مجموعة من الفتيات يتصرفن بطريقة غير مناسبة داخل النادي، كنت أخرج من مكتبي وأذهب للتحدث معهن بنفسي. كنت أعتقد أن هذا هو التصرف الصحيح، وأن المدير يجب أن يكون حاضرًا في كل موقف.
لكن مع الوقت اكتشفت أنني كنت أسحب مسؤولية من المفترض أن تقوم بها الموظفة المشرفة على الصالة. عندما يتدخل المدير في كل موقف، يبدأ الفريق بالاعتماد عليه بدلًا من تحمل مسؤولياته.
تعلمت أن دوري ليس أن أحل كل مشكلة، بل أن أبني فريقًا يعرف كيف يتعامل مع المواقف ويأخذ مسؤولياته بثقة.
الدرس الثاني: لا تعد بما لا تعرف أنك تستطيع تنفيذه
كنت حريصة جدًا على إرضاء العميلات. إذا طلبت إحدى العميلات خدمة إضافية أو قدمت اقتراحًا، كنت أجيب مباشرة: "أكيد، سيتم تنفيذ الطلب."
لم يكن هدفي إلا إسعاد العميلة، لكنني لم أكن أفكر فيما إذا كان الاقتراح قابلًا للتنفيذ أو يحتاج إلى موافقة الإدارة أو دراسة.
مع الوقت اكتشفت أن الوعد السريع قد يخلق توقعات لا أستطيع تحقيقها.
اليوم أصبحت إجابتي مختلفة: "شكرًا على اقتراحك، سأراجع الموضوع مع الفريق، وإذا كان مناسبًا سنعمل على تنفيذه."
تعلمت أن الصدق في التوقعات يبني ثقة أكبر من الوعود السريعة.
الدرس الثالث: ليست كل الشخصيات تُدار بالطريقة نفسها
أتذكر موقفًا مع إحدى العميلات كانت ردود أفعالها مبالغًا فيها بشكل كبير. تعاملت معها كما أتعامل مع أي عميلة أخرى، وحاولت مناقشتها وإقناعها، حتى استنزفت أعصابي تمامًا، ووصل الأمر إلى تدخل زوجها.
بعدها فهمت أن الناس ليسوا متشابهين، وأن بعض الشخصيات تحتاج إلى أسلوب مختلف في التعامل. ليس كل نقاش يستحق أن أخوضه، وليس كل موقف يحتاج إلى أن أثبت وجهة نظري.
تعلمت أن هدوء القائد أحيانًا أهم من رغبته في كسب النقاش.
الدرس الرابع: الثقة مهمة... لكن الثقة العمياء قد تكلفك الكثير
في بداية المشروع كنت أؤمن أن إعطاء الموظفين الثقة الكاملة هو أفضل أسلوب للإدارة، خاصة الموظفين والموظفات الإداريين. كنت أعتقد أن الثقة وحدها كافية لبناء فريق ناجح.
لكن مع مرور الوقت تعلمت أن بعض الأشخاص قد يسيئون استغلال الصلاحيات إذا لم تكن هناك متابعة واضحة. رأيت مواقف استُخدم فيها المنصب لمنح امتيازات لموظفين دون غيرهم، أو لاتخاذ قرارات لم تكن عادلة بحق الجميع، ليس بدافع سوء النية دائمًا، وإنما لأن غياب المتابعة يفتح المجال لاجتهادات غير صحيحة.
حينها أدركت أن المشكلة لم تكن في الثقة نفسها، بل في الثقة العمياء.
اليوم ما زلت أؤمن بأن الثقة أساس أي علاقة عمل ناجحة، لكنني تعلمت أن الثقة لا تعني أن نتوقف عن المتابعة، ولا أن نترك الصلاحيات دون مراجعة.
الإدارة الناجحة هي أن تمنح فريقك الثقة والتمكين، وفي الوقت نفسه تضع أنظمة واضحة للمتابعة والمراجعة والتقييم. فالمتابعة ليست دليل شك، بل جزء من مسؤولية القائد في حماية العدالة والمحافظة على جودة العمل.
الدرس الخامس: لا تتوقع من الموظف أن يفكر بعقلية صاحب الشركة
من أكثر الأمور التي كانت تحبطني في بداية المشروع أنني كنت أتوقع من الموظفين الإداريين أن يعملوا بالحماس نفسه الذي أعمل به، وأن يبتكروا أفكارًا جديدة باستمرار، وأن يلاحظوا كل فرصة لتحسين العمل كما أفعل أنا.
كنت أغضب عندما أرى أحدهم يكتفي بتنفيذ مهامه فقط، وأقول في نفسي: لماذا لا يفكر؟ لماذا لا يبادر؟ لماذا لا يرى ما أراه؟
لكن مع مرور السنوات أدركت أنني كنت أقارن بين شخصين يحملان مسؤوليتين مختلفتين تمامًا.
صاحب الشركة يعيش المشروع حتى بعد انتهاء الدوام. يفكر في الإيرادات والمصاريف، وفي الموظفين والعملاء، ويتحمل نتائج كل قرار يتخذه، لأن المشروع جزء من حياته.
أما الموظف، فمن الطبيعي أن تكون أولويته أداء المهام المطلوبة منه بالشكل المطلوب، وليس أن يحمل المشروع على كتفيه كما يحمله صاحبه.
هذا لا يعني أن الموظفين لا يبدعون أو لا يملكون أفكارًا، لكن من غير الواقعي أن أتوقع منهم مستوى الالتزام أو التفكير نفسه الذي يملكه صاحب المشروع.
عندما غيرت هذا التوقع، أصبحت أقل إحباطًا وأكثر عدلًا في تقييم أداء الفريق. وأصبحت أركز على اختيار الأشخاص المناسبين، وتحفيزهم، وتوفير بيئة تشجعهم على المبادرة، بدلًا من انتظار أن يفكر الجميع بعقلية المالك.
الدرس السادس: بناء الفريق لا يعتمد على المهارة فقط
من أكثر التحديات التي واجهتنا أن بعض الموظفات من الجنسية نفسها كن يشكلن مجموعات، ويتفقن على مواقف معينة أو يطالبن بمطالب غير واقعية في الوقت نفسه، مما كان يؤثر على بيئة العمل وسير العمليات.
بعد عدة تجارب، بدأنا نحرص على تنويع الجنسيات والخلفيات داخل الفريق، سواء بين العاملات أو المدربات. لاحظنا أن التنوع ساعد على تقليل التكتلات، وعزز الاحترافية، وجعل بيئة العمل أكثر توازنًا.
تعلمت أن بناء فريق ناجح لا يعتمد فقط على توظيف أشخاص أكفاء، بل على بناء ثقافة عمل يشعر فيها الجميع بالعدالة والانتماء.
في النهاية...
كل موقف واجهته، وكل قرار أخطأت فيه، وكل تحدٍ مررت به، كان جزءًا من الرحلة التي جعلتني أنظر إلى القيادة اليوم بطريقة مختلفة.
القيادة ليست أن تعرف كل الإجابات، ولا أن تقوم بكل شيء بنفسك، بل أن تتعلم من أخطائك، وتبني فريقًا قويًا، وتضع أنظمة عادلة، وتستمر في التطور مهما بلغت خبرتك.
هذه الدروس ليست قواعد ثابتة، بل خلاصة تجربة شخصية ما زلت أتعلم منها حتى اليوم.